عباس حسن

2

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

إنه النحو ؛ وسيلة المستعرب ، وسلاح اللغوي ، وعماد البلاغىّ ، وأداة المشرّع والمجتهد ، والمدخل إلى العلوم العربية والإسلامية جميعا . فليس عجيبا أن يصفه الأعلام السابقون بأنه : خ خ ميزان العربية ، والقانون الذي تحكم به في كل صورة من صورها « 1 » وأن يفرغ له العباقرة من أسلافنا ؛ يجمعون أصوله ، ويثبتون قواعده ، ويرفعون بنيانه شامخا ، ركينا ، في إخلاص نادر ، وصبر لا ينفد . ولقد كان الزمان يجرى عليهم بما يجرى على غيرهم ؛ من مرض ، وضعف ، وفقر ؛ فلا يقدر على انتزاعهم مما هم فيه ، كما كان يقدر على سواهم ، ولا ينجح في إغرائهم بمباهج الحياة كما كان ينجح في إغراء ضعاف العزائم ، ومرضى النفوس ، من طلاب المغانم ، ورواد المطامع . ولقد يترقبهم أولياؤهم وأهلوهم الساعات الطوال ، بل قد يترصدهم الموت ؛ فلا يقع عليهم إلا في حلقة درس ، أو قاعة بحث ، أو جلسة تأليف ، أو ميدان مناظرة ، أو رحلة مخطرة في طلب النحو . وهو حين يظفر بهم لا ينتزع علمهم معهم ؛ ولا يذهب بآثارهم بذهاب أرواحهم ؛ إذ كانوا يعدون لهذا اليوم عدته من قبل ؛ فيدونون بحوثهم ، ويسجلون قواعدهم ، ويختارون خلفاء من تلاميذهم ؛ يهيئونهم لهذا الأمر العظيم . ويشرفون على تنشئتهم ، وتعهد مواهبهم ؛ إشراف الأستاذ البارع القدير على التلميذ الوفىّ الأمين . حتى إذا جاء أجلهم ودّعوا الدنيا بنفس مطمئنة ، واثقة أن ميدان الإنشاء والتعمير النحوي لم يخل من فرسانه ، وأنهم خلّفوا وراءهم خلفا صالحا يسير على الدرب ، ويحتذى المثال . وربما كان أسعد حظّا وأوفر نجحا من سابقيه ، وأسرع إدراكا لما لم يدركه الأوائل . على هذا النهج الرفيع تعاقبت طوائف النحاة ، وتوالت زمرهم في ميدانه ، وتلقى الراية نابغ عن نابغ ، وألمعىّ في إثر ألمعىّ ، وتسابقوا مخلصين دائبين . فرادى وزرافات ، في إقامة صرحه ، وتشييد أركانه ، فأقاموه سامق البناء ، وطيد الدعامة ، مكين الأساس . حتى وصل إلى أهل العصور الحديثة التي يسمونها : عصور النهضة ، راسخا ، قويّا ؛ من فرط ما اعتنى به الأسلاف ، ووجهوا إليه من بالغ الرعاية ؛ فاستحقوا منا عظيم التقدير ، وخالد الثناء . وحملوا كثيرا من علماء

--> ( 1 ) صبح الأعشى .